fbpx
اخبار فلسطينية

تشاؤم في المناطق الإسرائيلية المحاذية لغزة بعد عام من الحرب

مر عام على إندلاع الحرب بين إسرائيل وغزة، ويكاد يختفي الحديث عنها حاليا في الخطاب الرسمي الإسرائيلي. سكان المناطق الجنوبية المتضررة من الحرب لا يشعرون بالتفاؤل إزاء مستقبلهم، كما تعرض دانا ريغيف في تقريرها من سديروت.
 
 
من على سطح إحدى البنايات في بلدة إسرائيلية محاذية لقطاع غزة، لا شيء يؤشر على أن حربا مستعرة كانت تدور هنا قبل عام من اليوم. مزارعون يشتغلون في حقولهم، جرارات تحرث التربة الخصبة، وطلاب يتوجهون جماعة إلى ثانوية سابير المحلية على مشارف بلدة سديروت، لكن الناس هنا يُجمعون على أن حرب غزة التي أطلقت عليها إسرائيل اسم"الجرف الصامد" خلطت كل الأوراق. "الدرع الذي حصنت به نفسي إنهار بكل بساطة. للمرة الأولى شعرت بمعنى الخوف الحقيقي"، تقول يام برويده أميتاي البالغة من العمر 29 سنة والتي تعيش في مستوطنة كيبوتس إيرز بالقرب من معبر إيرز(بيت حانون) شمال غزة.
 
"كنت أخشى من البقاء وحدي ومن الذهاب إلى الحمام ومن إخراج القمامة ومن أبسط الأمور. لم أعد أجرؤ حتى على ممارسة الركض" تقول برويده لـ
 DW.
بعد سنوات من السفر والتنقل بين أوروبا وأستراليا والعيش في نيويورك قررت برويده العودة إلى منزلها رفقة زوجها حيث ترعى الآن رضيعها ذي الأربعة أشهر. ورغم أن منزل والديها في كفر عزة استُهدف بشكل مباشر بصاروخ خلال حرب 2012 لكنها تقول إن حرب السنة الماضية غيرت كل شيء.
 
 
شعور باليأس
قتل 67 جنديا إسرائيليا وخمسة مدنيين من الجانب الإسرائيلي خلال الحرب التي دامت 50 يوما وجرح أكثر من 1600 جندي و837 مدنيا. أما على الجانب الفلسطيني فقد كانت من أكثر الحروب الدموية التي شهدها القطاع، فالأرقام تنقل أن أكثر من 2100 شخص قتلوا أغلبهم من المدنيين.
 
 
برويده اختارت العودة إلى منزلها رغم ما عاشته خلال الحرب.
 
"كان هناك شعور أن الحرب لن تنتهي أبدا.مع مرور الوقت تعلمنا أن نركز على الأمل في أن الأمور ستتغير للأفضل ولكن بعد الحرب الأخيرة من الصعب جدا التفاؤل بحدوث ذلك"، تقول برويده.
خيبة أمل أخرى جاءت مع فوز اليميني المحافظ بنيامين نتياهو في الانتخابات في مارس الماضي فـ"ذلك لم يساهم سوى في المزيد من اليأس"، تقول برويده.
 
"هناك فئة كبيرة بين الفلسطينيين واليهود تؤمن بفكرة التعايش هنا، بل أكثر من ذلك. فهناك من عاش هذه التجربة وعاصرها. وتحديدا أولئك الذين يعيشون هنا يعرفون أن العنف لن يؤدي إلى حل لكن يبدو وكأن لا توجد حكومة تريد التغيير"، تعلق برويده.
 
الإسرائيليون منقسمون
على بعد 55 دقيقة فقط من تل أبيب ينظر الكثيرون إلى البلدات المحاذية لغزة على أنها مناطق مهجورة تبعد سنوات ضوئية عن المركز الحيوي. ويرى كثير من الإسرائيليين أن اختيار العيش بالقرب من غزة تصرف غير مسؤول.
" لا يهم أين يعيش المرء"، تقول آدي باتان ميري البالغة من العمر 28 سنة من سديروت وهي تحمل ابنها، وتشير إلى أنه قبل خمس سنوات لم يكن من الوارد أن تسقط صواريخ على بئر سبع (على 47 كيلومترا من غزة). "اليوم هذا واقع، والصواريخ تسقط حتى في مناطق أبعد. ما يبدو اليوم خياليا سيكون واقعيا في الحرب القادمة"، تقول ميري المقتنعة بأن الحل الوحيد هو الاتفاق على المستوى سياسي.
 
طوال فترة الحرب كانت وجهات النظر المتطرفة من كلا الجانبين في المشهد السياسي الإسرائيلي يتم بثها، ما أدى إلى موجة من العنف والعنصرية في البلاد. كما ازدهرت مجموعات على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) تدعو إلى محاربة اليساريين ونزلت إلى الشارع مظاهرات ليساريين ويمينيين للاحتجاج على الحرب. كل طرف كان يسعى لفرض رأيه.
"الحرب أدت إلى تطرف في الآراء أكثر من ذي قبل"، تقول أنا رويتمان وهي طالبة سابقة في ثانوية سابير وتعيش في دير السبع. "وجدت نفسي مضطرة لحذف العديد من أصدقائي على فيسبوك فقط لأني لم أعد أحتمل قراءة أو سماع تعليقاتهم".
هاجس الحرب
المناطق المحاذية لغزة تسودها العلمانية إلى حد كبير ومعظم سكان هذه المناطق ولدوا فيها أو جاءوا إليها لأسباب اقتصادية. أران غورين الطالبة البالغة من العمر 25 سنة انتقلت مع والديها إلى مستوطنة دوغيت في قطاع غزة حينما كانت في الثانية من عمرها. بعد سنوات تم إخلاء المستوطنة في تسوية ضمن خطة فك الارتباط الأحادية الإسرائيلية عام 2005.وانتقلت الأسرة إلى كيبوتس ناحل عوز ثم إلى سديروت لاحقا.
 
 غورين أتمنى أن لا يعيش أبنائي تجربتي.
 
"بقينا في المنطقة بسبب عمل أمي. كنا نذهب إلى المدرسة هنا وأصدقاؤنا هنا. بالتأكيد لم يكن انتقالا لأسباب أيديولوجية" تقول غورين، وتضيف "هذا المكان جنة عندما تكون الأوضاع هادئة، وجحيم لا يطاق في أوقات الحرب".
في حين يعاني 8 بالمائة من سكان إسرائيل من اضطراب ما بعد الصدمة 
(PTSD)، 
تصل النسبة في سديروت إلى 44 بالمائة، أي أكثر بخمسة أضعاف. وحتى بالمقارنة مع مناطق أخرى في إسرائيل تضررت من الحرب مثل حيفا أو الحدود الشمالية مع لبنان، يعاني أطفال الجنوب بشكل أكبر من هذه الاضطرابات.
صدمة وتشاؤم
"ذات مرة ونحن نجري امتحانا داخل المدرسة، سقط صاروخ قسام مباشرة على فصلنا. لحسن الحظ نجونا من ذلك لكن هذه التجارب لم تكن سهلة علينا وإن تحولت مع الوقت إلى روتين"، تقول غورين. "وحتى اليوم أستيقظ وأنا أتصبب عرقا لأنه تأتيني كوابيس يأتي فيها إرهابيون، يخطفونني ويذهبون بي إلى نفق".
 
كشفت دراسة تعود لسنة 2012 نشرت في "مجلة صحة المراهق" أن حوالي نصف الشباب في سديروت يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. " أتمنى أن لا تمر ابنتي عندما تكبر بهذا الشعور"، تقول برويده.
 
 
غورين تبدو أقل تفاؤلا من برويده. "لا أعتقد أن شيئا سيتغير في المستقبل القريب. لا أحكم على أحد، ولكن لا يمكنني أن أتفهم أولئك الذين يختارون تربية أطفالهم في وسط كل هذه المخاطر. أمي فعلت ذلك، وكبرت أنا بهذه الطريقة، لكني لا أريد أن يعيش أبنائي نفس التجربة. أنا مرتبطة بهذا المكان لكني لا أظن أني سأبقى فيه".
 
أمنيات المستقبل
معظم سكان الجنوب يشعرون بالتشاؤم حيال احتمال التوصل إلى اتفاق سلام، وحتى التوصل إلى اتفاق سياسي مؤقت يبدو حلما صعب التحقق. وتعود سكان هذه المناطق على إطلاق دائم للصواريخ بكميات قليلة، لدرجة أنهم تعودوا أيضا على عدم اهتمام الإعلام بذلك سواء الإسرائيلي أو الأجنبي.
 
"لا أرى أي أمل" تقول غورين. "لن ينتهي هذا الأمر بالتأكيد مع حكومتنا الحالية. تعبنا من محاولة تغيير هذا الوضع بالعنف. العنف لا يحل شيئا، يجب التحرك على المستوى السياسي. قد يقول البعض "لا يوجد هناك شريك" ولكن الخلاصة هي أنه في العشر سنوات الماضية لم يتم اتخاذ أي تحرك سياسي إذن لنحاول هذه المرة. لنعطي ذلك فرصة".
بالنسبة لبرويده الحل يكمن في المفاوضات والأمل في نفس الوقت. "اليوم لم يعد أحد يتحدث عن السلام. السلام أصبح كلمة طوباوية وسُريالية، كيف يمكن أن يتحقق إن كان كل طرف متعنتا؟".
 

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: