www.ajmal.ps

في اليوم العالمي للإعاقة: رفض مجتمعي وتقصير طبيّ

نابلس - أجمل

يصادف اليوم الاثنين (الثالث من كانون أول/ ديسمبر)، اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي مناسبة خصصتها الأمم المتحدة منذ عام 1992، لدعم ذوي الاحتياجات الخاصّة، وزيادة الفهم لقضايا الإعاقة ولضمان حقوق المعاقين، وتشجيع اندماجهم في المجتمع، والاعتراف بإنجازاتهم، في ظلّ ما يعانونه من تجاهل مجتمعيّ لاحتياجاتهم، وعدم تلقيهم الرعاية الطبيّة الكافية.

يصعب على المرء تخيّل حجم الصعوبات والمتاعب التي يواجهها الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة منذ ولادتهم وحتى مماتهم، وحدود تلك المعاناة النفسية والجسدية التي تلاحق ذويهم، وعلى نحو خاص، الأم، التي تتولى عادة المسؤولية الكبرى عن الطفل.

معاناة يوميّة

تروي الأمّ “م. ش” لـ “القدس دوت كوم” معاناتها مع طفلتها التي لم يتجاوز عمرها 8 أعوام، وتعاني من “شلل وضمور في الدماغ”. فتقول إنها كانت على علم مسبق بالمشاكل الخلقية التي ستواجهها طفلتها وذلك قبل ولادتها، بسبب فيروس أصابها خلال فترة الحمل.

وبعد ولادة طفلتها، تشير الأم إلى أنّ العائلة أخفت الأمر، ولم يعاملوا الطفلة كحفيدة، فقد كانوا “يتحاشونها دومًا”. وبعد انفصال الأم والأب عن بعضهما البعض، رفضت عائلة الأب زيارة “حفيدتهم” لهم، ورفضوا الاعتناء بها، فيما والدها لا يراها إلّا مرّة كلّ شهر حين يدفع نفقتها.

تقول الأم إنها تتكفل وحدها بالمسؤولية عن الطفلة التي تعاني من عطل كامل في جميع أجزاء جسدها، ويصل بها الأمر لأن تقوم بمضغ الطعام لطفلتها التي لا تقوى على بلعه في كثير من الأحيان، فعضلاتها بدأت بالضمور وصارت تعاني من تشنّجات كهربائية يوميّة. وتشير إلى أنها كانت تتابع حالتها في مراكز العلاج الطبيعي، ولكن “الحالة تزداد سوءًا”، ما اضطرها لنقلها إلى جمعية يفترض أنها متخصصة في ذوي الإعاقة، لكنّها عادت ونقلتها إلى المستشفى بعد أن وجدتها ملقاة على السرير والقيء يملأ ملابسها، والنوافذ مفتوحة مقابلها خلال فصل الشتاء، ما أدى لإصابتها بالتهاب رئوي حادّ كاد يودي بحياتها.

وتشير بيانات التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت في تقرير لجهاز الإحصاء لعام 2017، إلى أنّ عدد الأفراد الذين يعانون من صعوبة واحدة على الأقل في فلسطين قد بلغ 255,228 فردًا، أي ما نسبته 5.8% من مجمل السكان، منهم 127,266 في الضفة الغربية، يشكلون ما نسبته 5.1% من مجمل السكان في الضفة الغربية، فيما عدد الأفراد ذوي الصعوبات في قطاع غزة 127,962، أي ما نسبته 6.8% من مجمل السكان في القطاع.

المؤسسات المتخصصّة.. بالقطّارة!

المعضلة الحقيقية التي تواجه “م. ش” وغيرها من أهالي الأطفال ذوي الإعاقة تتمثّل بندرة المؤسسات الرسمية المتخصصة وضعف الكفاءة، لا سيما في إيجاد معادلة تمكّن الطفل من الحصول على الرعاية الطبية الصحيحة وإبقائه قريبًا من ذويه، للشعور بالحب والحنان والحياة الأسرية الطبيعية.

لا أحد يساعدها في تنقّلها بطفلتها بين دور الرعاية، والأب يرفض دفع تكاليف المواصلات، ويرفض حتى مواصلة المحاولة لتحسين وضع طفلته على الأقل، تقول “م. ش” وتضيف أنه طلب منها ترك ابنته في إحدى دور الرعاية، والعودة لحياتها الطبيعية كما فعل هو.

ما زاد الوضع سوءًا لدى الطفلة، هو العمليّة الجراحيّة الفاشلة التي أجراها طبيب من الخليل، لإزالة مفصل بسبب الانكماش المستمر في عضلات جسد الطفلة، ما تسبب في خلع الورك، وبإعاقة زائدة، حيث أصبح جزء من جسدها أقصر من الآخر.

وبحسب بيانات جهاز الإحصاء، فإنّ هناك ارتفاعًا في نسبة الأفراد ذوي الصعوبات خلال العشر سنوات الأخيرة، حيث بلغت عام 2007 في فلسطين ما نسبته 4.7%، مقابل 5.8% عام 2017.

سحر، والدة عنان (18 عامًا) وهو ضرير، ويعاني من كسل اليد اليسرى منذ ولادته، تتفق هي الأخرى بقلة بفرص إيجاد مركز رعاية قادر على متابعة حالة ابنها على مقربة من منطقة سكنها، وتقول إنها اضطرت إلى نقله لدار رعاية في بيت لحم، بعد مضي سنوات من عدم قدرة الطفل على التعلّم والانخراط في المدارس العادية. وقد ابتعد عنان عن أمه منذ صار عمره (12 عامًا)، وتقول إنها تراه ثلاثة أيام فقط كلّ شهر.

أمّا الأم “ه. ت” التي يعاني ابنها البالغ من العمر (17 عامًا) من إفراط في الحركة، وتقول إنها لم تترك مركزًا لإعادة التأهيل إلّا وتوجهت له لمساعدة ابنها، لكنّه لم يتلق الرعاية الصحيحة طيلة تلك السنوات، ولم يستطع ابنها تعلم شيء، حتى القراءة أو الكتابة، رغم أنها دفعت مبالغ كبيرة للمدارس الخاصة في محاولة منها لتعليمه ودمجه بالمجتمع.

غير لائق!

ويرى مدير وحدة رعاية الطلبة ذوي الإعاقة في جامعة النجاح الوطنية وعضو الهيئة العامة للاتحاد العام للأشخاص ذوي الإعاقة، سامر عقروق، أن هناك تقصيرًا شديدًا من قبل الجهات الرسمية فيما يخص ذوي الاحتياجات الخاصة، من ناحية عدد المؤسسات الراعية لهم، وتوزيعها على المحافظات، وتوفير الأجهزة الخاصة، وحقوقهم في التنقّل والتعليم والصحة التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية والقانون الفلسطيني، والتي لا يطبّق منها شي، كما قال في حديثه لـ “القدس” دوت كوم.

ويشير عقرورق بأنّ عددًا من طلبته ممن يحملون شهادة الماجستير لا يزالون يعانون من الردّ عليهم بكلمة “غير لائق” مع كل وظيفة يتقدّمون لها.

من جانبه يقول الوكيل المساعد للتخطيط والتنمية الإدارية في وزارة التنمية الاجتماعية داود الديك، إن الوزارة تعمل “ما في وسعها” لتحسين وضع فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، لافتًا إلى أنّهم يولون اهتمامًا كبيرًا بهذا القطاع.

ويشير الديك إلى أنّ قانون ذوي الإعاقة الصادر عام 1999 يشمل جملة من الحقوق التي توفّر العيش الكريم لهذه الفئة، إلا أنه لم يكن كافيًا، لذلك نحن بصدد إجراء تعديل على هذا القانون ليصبح بآلية واضحة وإلزامية للمؤسسات الراعية، كما أنّ التعديل يشمل إعادة حوكمة وتشكيل المجلس الأعلى للأشخاص ذوي الإعاقة، بحيث يضمن القانون للمجلس قوة أكبر نحو الاستقلالية والرقابة على مؤسساته.

ويوضح الديك بعض العراقيل التي تواجه الوزارة ، بقوله “لا يوجد مؤسسات كافية لتغطية المناطق الجغرافية كلها، ونحن بصدد توسيع الرقعة الجغرافية لهذا النوع من المؤسسات على مستوى الوطن، كما أنّ التعاطي مع حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لا يتوقف على وزارة واحدة، لأنه عمل تكامليّ، فلا بد من تكاتف جميع الوزارات لتحقيق غاياته، ولا بد أن يكون هناك عمل مشترك بين وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة الصحة ووزارة النقل لتقديم الخدمة الواجبة لهذه الفئة”، داعيًا مؤسسات القطاع الخاص للمشاركة في تحمّل هذه المسؤولية.

وتتحدّث بيانات جهاز الإحصاء المركزي في العام 2017 عن أنّ 2.9% من الأفراد في فلسطين هم من ذوي الصعوبات الحركية، تلتها الصعوبات البصرية حيث بلغت 2.6%.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.