www.ajmal.ps

جيفارا .. بين الخرافة ورمزية البطل


حمل تطبيق اجمل الاخباري
نابلس – أجمل طبيب وكاتب ومثقف وقارئ نهم وزعيم حرب عصابات وقائد عسكري ورجل دولة عالمي، وشخصية رئيسية في الثورة الكوبية، كيف أصبحت صورته بنظرة العناد والتحدي ملهمة ومستقطبة للمخيلة الجماعية، ورمزا في كل مكان للمغامرة والبطولة؟

حياته شهدت  تقلبات كبيرة من الارستقراطية في الطفولة إلى هوس المغامرة في فترة الشباب، إلى القيادة والخلافات بعد الثورة الكوبية، والتفرغ للقتال في جبهات عديدة وصلت إلى أدغال أفريقيا.

طريقة قتله ساهمت في تحويله إلى رمز أممي فيما لا يزال دور وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) في وفاته لغزا مثيرا للجدل.

إرنستو تشي غيفارا المولود عام 1928 في الأرجنتين، لعائلة من أصول إيرلندية وإسبانية باسكية؛ دخل جامعة “بوينس آيرس” عام 1948 لدراسة الطب، وتخرج منها عام 1953.

انتقل بعد تخرجه إلى مدينة مكسيكو للعمل في المستشفى العام، إضافة إلى إلقاء محاضرات حول الطب في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك، كما أنه عمل مصورا صحفيا.

في تلك الفترة تعرف على عدد من المنفيين من كوبا في غواتيمالا، كان من بينهم راؤول كاسترو الذي عرفه في وقت لاحق على أخيه الأكبر فيدل كاسترو الذي شكل حركة 26 تموز/ يوليو وأصبح يخطط للإطاحة بالديكتاتور باتيستا المدعوم أمريكيا.

انضم تشي إلى الحركة التي قادها كاسترو، وعلى الرغم من أنه كان من المقرر أن يكون مسعف المجموعة القتالية، إلا أنه شارك في التدريبات العسكرية مع أعضاء الحركة.

كانت الخطوة الأولى في خطة كاسترو الثورية الهجوم على كوبا من المكسيك، وخلال هذه المواجهة الدامية ألقى تشي باللوازم الطبية والتقط صندوقا من الذخيرة من مخلفات أحد رفاقه الهاربين، وكانت هذه الخطوة الحاسمة حيث ترك الطب نهائيا وأصبح مقاتلا.

مع استمرار الحرب أقام تشي مصانع لتصنيع القنابل اليدوية، ودرس المجندين الجدد التكتيكات العسكرية، وفتح المدارس لتعليم الفلاحين الأميين القراءة والكتابة، وعلاوة على ذلك أنه أنشأ العيادات الصحية وصحيفة لنشر المعلومات.

بعد نحو ثلاث سنوات أطلقت  مجلة  “تايم” الأمريكية  عليه لقب “عقل الثورة” وفي تلك الأثناء رقي الرجل من قبل كاسترو إلى القائد الثاني في الجيش.

كان تشي قاسيا للغاية وعنيفا بشأن انضباط المنشقين الذين تم إطلاق النار عليهم من دون تردد، وعوقب الهاربون بوصفهم خونة.

أعلنت الحكومة في كوبا  تشي مواطنا كوبيا  تقديرا لدوره في الانتصار ومنح رتبة عقيد، تزامنا مع صدور قانون يمنح الجنسية والمواطنة الكاملة لكل من حارب مع الثوار.

 

وعين تشي مديرا للمصرف المركزي، وأشرف على محاكمات خصوم الثورة وبناء الدولة في فترة لم تعلن فيها الثورة عن وجهها الشيوعي، وأصبح تشي وزيرا للصناعة في الحكومة الشيوعية، وممثلا لكوبا في الخارج ومتحدثا باسمها في الأمم المتحدة.

كان تشي مهندس العلاقات الكوبية السوفييتية، ولعب دورا رئيسيا في الحصول على الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية من الاتحاد السوفييتي إلى كوبا والتي أدت إلى أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 وجعلت العالم على شفا الحرب النووية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية ضمن ما عرف بأزمة “خليج الخنازير”.

لكن بعد أسابيع قليلة من الأزمة كان تشي غاضبا بسبب ما وصفه الخيانة من السوفييت، وذكر أنه لو كانت الصواريخ تحت السيطرة الكوبية لكانوا أطلقوها على الفور.

 

وأشار المراسل الصحافي البريطاني سام راسل إلى أن تشي شخصية دافئة لكن الصواريخ بالنسبة له كالمفرقعات.

أقنعت أزمة الصواريخ تشي بأن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي  تستخدمان كوبا كرهان في استراتيجياتها العالمية، وبناء على ذلك واصل تنديده بالسوفييت مع كل شجب للأمريكيين.

في عام 1965 قل ظهور تشي في الحياة العامة ومن ثم اختفى تماما. ونسب اختفاؤه إلى فشل خطة التصنيع حين كان وزيرا للصناعة، وإلى الضغوط التي كانت تمارس على كاسترو من قبل المسؤولين السوفييت الرافضين لسياسة تشي الموالية للصين بزعامة ماو تسي تونغ، وإيمانه بأن الثورة يجب أن تنطلق من الجبال والأرياف، ثم بعد ذلك إلى المدن، وربما بدأ كاسترو يأخذ حذره من تزايد شعبية تشي واعتبره تهديدا محتملا.

بعد تعرض كاسترو لضغوط دولية بشأن مصير تشي كشف كاسترو عن رسالة غير مؤرخة منسوبة إلى تشي مرسلة من عدة أشهر أشار فيها إلى تضامنه الدائم مع الثورة الكوبية، ولكنه أعلن عن نيته في مغادرة كوبا من أجل القتال من أجل القضايا الثورية في الخارج.. إضافة إلى ذلك فإنه استقال من جميع مناصبه في الحكومة والحزب وتخلى عن الجنسية الكوبية الفخرية، وظلت تحركاته محاطة بالسرية لسنتين كاملتين.

قرر تشي المغادرة إلى أفريقيا عام 1965 ليقدم علمه وخبرته بوصفه خبيرا في حرب العصابات إلى الصراع الجاري في الكونغو.

 

ووفقا للرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بله، كان تشي يعتقد أن أفريقيا هي الحلقة الضعيفة للإمبريالية، وبالتالي قد تنطوي على إمكانات هائلة للثورة.

 

الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي كانت تجمعه علاقات مع تشي تعود إلى عام 1959 خلال زيارته إلى مصر، كان يرى خططه للقتال في الكونغو بأنها “غير حكيمة” وحذر من أنه سيصبح مثل “طرزان” هناك وهي تجربة محكوم عليها بالفشل.

في “يوميات الكونغو” التي كتبها تشي، يذكر عدم الكفاءة والتعنت والصراع الداخلي بين القوات الكونغولية المحلية التي أفشلت الثورة.

 

وما لبث أن غادر الكونغو بسبب مرضه بالزحار ومعاناته من الربو الحاد، وسبعة أشهر من خيبة الأمل والإحباط والفشل.

كان تشي مترددا بشأن العودة إلى كوبا، وذلك لأن كاسترو نشر رسالته للجمهور والتي كانت “رسالة وداع” والتي كان يجب نشرها فقط في حالة وفاته، ونتيجة لهذه الرسالة، أمضى تشي الأشهر المقبلة في الخفاء في دار السلام في موزمبيق ثم زار عدة بلدان في أوروبا الشرقية.

انتقل تشي إلى المحطة الأخيرة في مسيرته القتالية حين وصل إلى بوليفيا، لكن خطته لتأجيج ثورة في بوليفيا فشلت، لأنه كان يتوقع أن يتعامل فقط مع الجيش البوليفي، سيئ التدريب والتجهيز، ولم يكن يعلم بأن الحكومة الأمريكية أرسلت فريقا من “السي آي إيه” ومن قوات الكوماندوس الخاصة وناشطين آخرين إلى بوليفيا للمساعدة في مكافحة الثوار.

كان تشي يتوقع المساعدة والتعاون من المنشقين المحليين، وأن يحصل على الدعم من الحزب الشيوعي في بوليفيا، ولم يستطع تشي التواصل مع كوبا، ولم تتمكن من إرسال إمدادات له وللثوار ما جعلهم معزولين ومحاصرين.

واشتكى تشي في مذكراته من أن “الفلاحين لا يقدمون لنا أي مساعدة ويتحولون إلى مخبرين”.

ولسوء حظه فقد كانت توقعاته صحيحة فقد أبلغ مخبر من القوات البوليفية عن موقع تشي في وادي غورو، وحوصر تشي في المنطقة، وجرح وأسر حين كان يحاول القتال، وذكر جون لي أندرسون كاتب سيرة تشي في تقاريره عن رواية رقيب بوليفي، أن غيفارا أصيب مرتين وعندما أصبحت بندقيته عديمة الفائدة هتف: “لا تطلقوا النار! أنا تشي غيفارا، وأساوي حيا أكثر مني ميتا”.

اقتيد تشي إلى مبنى مدرسة متهالك مساء 7 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1967 ورفض أن يستجوب من قبل ضباط  بوليفيين، ووصف أحد الجنود البوليفيين حالة تشي بأنها “مروعة” وكان شعره معفرا بالتراب، وملابسه ممزقة، وقدماه كانتا مغطاتين بأغماد الجلود الخشنة، وعلى الرغم من مظهره المنهك يروي الجندي أن “تشي رفع رأسه عاليا ونظر للجميع مباشرة ولم يسأل عن شيء إلا الدخان”.

وتقول شهادات موثقة إنه في ليلة 8 تشرين الأول/ أكتوبر قام تشي على الرغم من كونه مقيدا من يديه بركل ضابط بوليفي إلى الحائط، بعد أن حاول الضابط انتزاع غليونه من فمه كتذكار. في مثال آخر للتحدي، بصق جيفارا في وجه أميرال بوليفي قبل إعدامه بوقت قصير.

في صباح 9 تشرين الأول/ أكتوبر أمر الرئيس البوليفي بقتل تشي، كان الجلاد يدعى ماريو تيران نصف مخمور، وكان قد طلب إطلاق النار على تشي، بحيث يبدو أن تشي قد قتل خلال اشتباك مع الجيش البوليفي.

قبل لحظات من إعدام تشي سئل عما إذا كان يفكر في حياته والخلود. أجاب: “لا، أنا أفكر في خلود الثورة”. ثم قال للجلاد: “أنا أعلم أنك جئت لقتلي أطلق النار يا جبان إنك لن تقتل سوى رجل”.

 

تردد تيران، ثم أطلق النار من بندقيته النصف آلية، لتصيب تشي في الذراعين والساقين، ثم سقط تشي على الأرض وعلى ما يبدو قضم رباط معصميه ليتجنب الصراخ، ثم أطلقت عدة أعيرة أخرى، ما أدى إلى إصابة قاتلة في الصدر وأصيب بتسعة أعيرة نارية في المجموع.

ودفن تشي في مكان سري، حتى تم  اكتشاف رفاته عام 1997، فأُعيد جمع الرفات ودفنه في كوبا.
بعد مضي نحو 52 عاما على إعدامه، لا يزال تراث تشي وحياته مسألة خلاف.

 

تحول غيفارا إلى الرمز المثالي للحركات اليسارية. كثيرون نظروا إليه باعتباره بطلا، وأشار نيلسون مانديلا إلى أنه “مصدر إلهام لكل إنسان يحب الحرية” في حين وصفه المفكر جان بول سارتر بأنه ” أكمل إنسان في عصرنا”.

 

ويقول الكاتب غراهام غرين إنه “يمثل فكرة الشهامة والفروسية والمغامرة”.

على العكس من كل كلمات المديح والثناء، ينفي ماكوفر أحد كتاب سيرته الذاتية، كونه بطلا يستحق “العبادة”، ويصوره على أنه “الجلاد الذي لا يرحم”.

 

ويجادل المعارضون في أنه في كثير من أنحاء أمريكا اللاتينية، فإن الثورات المستوحاة من تشي عززت النزعة العسكرية الوحشية والصراع الداخلي لسنوات عديدة.

 

ألفارو فارغاس لوسا من إحدى المعاهد المستقلة افترض أن أتباع غيفارا المعاصرين “يخدعون أنفسهم بالتشبث بخرافة”.

أصبحت صورة وجه تشي واحدة من أكثر الصور انتشارا في العالم بما في ذلك القمصان والقبعات والملصقات والوشم، ولا يزال تشي شخصية  تذكر كرمز لتمرد الشاب.

أممية وثورية تشي وارتباطه بالفقراء والمنبوذين في كل مكان، ورفضه الاعتراف بقداسة الحدود الوطنية في الحرب ضد الولايات المتحدة، ألهمت الحركات الراديكالية الجديدة في العالم كله.

تحول هذا الرجل الثائر بعد موته إلى “شهيد” في جميع الحركات الشبابية لاحقا. وكأن الموت وحده حوله إلى “بطل”، ما يوحي بأنه لو منحه أعداؤه الحق في الحياة، لربما عجزت أسطورته عن احتلال هذا المدى العالمي الذي تنعم به اليوم.

نشرت صحيفة “ألموندو” الإسبانية تقريرا، في ذكرى وفاة تشي جيفارا، عرضت من خلاله بعض التفاصيل حول حادثة إعدامه والأسرار التي ما زالت تحيط بها، و”الأكاذيب” التي راجت بشأنها. وسط دعوات إلى فتح الأرشيف الخاص بإعدام تشي، وكشف كل ألغاز تلك الفترة الحافلة بالأحداث المثيرة..

إضافة إلى الإجابة عن العديد من التساؤلات من بينها مثلا: من خان غيفارا أثناء وجوده في بوليفيا؟ وكيف تم تنفيذ حكم الإعدام في حقه؟ وما هو الدور الذي لعبته كل من كوبا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في الإيقاع بهذا الزعيم؟

تقول إحدى الممرضات، اللاتي كن آخر من رأى جثته بعد إعدامه، وتدعى سوزانا أوسيناغا: “ما أصابنا بالصدمة، نحن الممرضات، كان عينيه المفتوحتين. كان شعره طويلا ولحيته مرسلة.. كان يشبه المسيح. كنا نقلبه على جنب، فتنظر عيناه إلينا، ونقلبه على جنب آخر، وتظل عيناه مثبتتين علينا. كان ذلك صادما لنا”.

بعيدا عن أفكاره الشيوعية الماركسية التي يعرفها الجميع، والتي تلعب دورا مهما في شهرته المستمرة، فإن تشي يمتلك سمات فريدة جعلته من الشخصيات التي أثرت في مجتمعات كثيرة ليس فقط على الصعيد السياسي، بل على مستوى أمور حياتية بسيطة، منها تسريحة الشعر وإطلاق اللحية وطريقة اللبس واعتمار الـ”بيريه” وتدخين السيجار الكوبي… حتى إن صورته الشهيرة التي التقطها ألبرتو دياز غوتيريز الملقب بـ”كوردا” وهو المصور الذي كان يعمل لصحيفة “ريفولوثيون” عام 1960، هي أكثر صورة أعيد طبعها في تاريخ التصوير. فملامح  تشي غيفارا تدل على “العناد المطلق”، إضافة إلى الغضب والحزن، وهي كلها السمات الأساسية للثائر كما قال كوردا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.